فوزي آل سيف
9
فقه العلاقات الاجتماعية
مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ)[37] . فشعيب الذي كان أخاهم أي منهم ، وإنما بعث كذلك لأنه أقدر على فهم عقلياتهم وطريقة التخاطب معهم، وهو بذلك غير مستنكر وغير منفي اجتماعياً ، فإن الغريب كثيراً ما كان غير مقبول . ولو لاحظنا أن دعوته لم تقتصر على الجانب العقدي وهو اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ، وإنما أشار إلى وجود خلل اقتصادي كبير وهو التطفيف ونقص المكاييل والموازين ، وأنه يحذرهم من مستقبل مظلم ، بالرغم من أن واقعهم كان حسنا ، وهو يراهم بخير ، لكن المجتمع الذي يعتمد الغش والخداع لا يلبث أن يدمر الثقة ، وينتهي اقتصاده إلى الشلل . ولهذا وعدت آيات أخرى بالويل للمطففين الذين اذا اكتالوا على الناس يستوفون ، وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون . ونقص المكيال والميزان عنوان عام ، يندرج تحته آلاف الأمثلة والموارد ، فتصور أن بناية يفترض أن تبنى لسكن المئات من الناس ، فيقوم المقاول بالتطفيف ونقص المكيال فبدلا من طن الحديد يجعله نصف طن ، وهكذا الاسمنت ، ولك أن تتصور الكارثة التي تحدث بعدئذ ! " وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ "[38]. بعد أن أشار القرآن إلى التطفيف في المجال الاقتصادي ، تناول التطفيف في الجانب الاجتماعي ، ومثل له ببخس الناس حقوقهم وأشياءهم ، مثل أن تُسأل عن شخص صاحب كفاءة متميزة ، فبدل أن تعطيه ما يستحق من الثناء ،والتقديم تختصر حقه ، فإذا كان عالماً مجتهداً مثلاً تقول عنه مجرد طالب علم ، وإذا كان يحمل الدكتوراه في تخصصه تشكك في ذلك .. وهكذا . ثم منع عن الفساد بشتى أشكاله ، وقال ( لا تعثوا في الأرض مفسدين ) وإذا كان البعض يتصور أنه بالالتزام بالقوانين الإلهية سوف يفوت عليه ربح ومنفعة ، فإنه خاطىء بل ما يبقى بعد ذلك هو الخير الحقيقي والربح الباقي ( بقية الله خير لكم إن كنتم مؤمنين ) .. لوط والإصلاح الأخلاقي : وإذا كان الفساد الاقتصادي كمرض اجتماعي هو محط نظر نبي الله شعيب فإن نبي الله لوطا قد توجه إلى مشكلة أخلاقية جنسية سيئة كانت في المجتمع الذي بعث فيه ، فركز على الدعوة إلى تركها ، وهي مشكلة الشذوذ الجنسي ( اللواط ) والتي كانت موجودة في ذلك المجتمع .. " وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ الْعَالَمِينَ * أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنكَرَ "[39]. وقد كانوا يأتون شهوتهم الجنسية فيما بينهم ، ويمارس الرجل مع الرجل ما كان ينبغي أن يمارسه مع المرأة [40]. و"هذه المعصية مضافا إلى كونها عملاً قبيحا جدّا- لم يفعلها أحد قبلكم من الأقوام- و بذلك يكون قبح هذا العمل الشنيع مضاعفا، لأنّه أصبح أساسا لسنّة سيئة، و سببا لوقوع الآخرين في المعصية عاجلا أو آجلا.
--> 37 ) سورة هود: 84 38 ) هود 85 39 ) العنكبوت28 ،29 40 ) في محاولة من التشريع الإسلامي لقطع هذا المرض الأخلاقي فقد شدد النكير على من يمارسه ( فاعلا ومفعولا به ) وتحدثت النصوص الإسلامية عن ثلاثة مستويات : التشديد في العقوبة الدنيوية حيث أن الفاعل إذا ثبت عليه ذلك عوقب بالقتل بالسيف أو الإحراق بالنار أو الإلقاء من شاهق .. ومنها العقوبة الأخروية وهي مشددة مذكورة في كتب عقاب الأعمال ، ومنها الآثار الوضعية للواط في الدنيا وهي حرمة أخت وبنت وأم الملوط على اللائط . كما ذكر الفقهاء .